المنشور عدد 4 لسنة 2026: عندما يُحدّد البنك المركزي مَن له الحق في التوريد

المنشور عدد 4 لسنة 2026: عندما يُحدّد البنك المركزي مَن له الحق في التوريد

wael.touzri
Updated April 9, 2026

أصدر البنك المركزي التونسي مؤخراً المنشور عدد 4 لسنة 2026، والذي يفرض على مورّدي المنتجات التي توصف بـ "غير ذات الأولوية" تمويل مشترياتهم من الخارج بنسبة 100% من أموالهم الخاصة (مواردهم الذاتية). بمعنى لا قروض بنكية جديدة، لا دفعات مسبقة ولا ضمانات، ليقترن التوريد إذا بضرورة أن تتوفر لدى المورّد السيولة النقدية الكاملة قبل أن يتمكّن من عرض ملفه على البنك.

وفي هذا السياق، لا بد أن نقرّ ونوضّح أنّ هذا الإجراء ليس منعاً للتوريد، بل هو منعٌ للتوريد على مَن يورّد بالاقتراض (ليس غنياً بالفعل). وقد يبدو للوهلة الأولى هذا الإجراء تقنياً، بل وربما عادياً لمن لا يمعن النظر فيه، فهو يندرج شكلياً ضمن تقاليد ترتيبية قديمة، حيث سبق للمنشور الأم لسنة 1994 أنْ وضع الإطار العام للرقابة على التوريد.

لكن يجب التوضيح أنّ: هذا النص كغيره من النصوص العديدة في الترسانة الترتيبية التونسية، لم يكن يُطبّق في الواقع إلا نادراً حيث كان يُستخدم أساساً كأداة للضغط وسلطة تقديرية في أيدي مَن يقرّرون مَن يستحق الدخول إلى السوق ومَن لا يستحق. وما يفعله المنشور الجديد هو جعل هذا الفرز آلياً وممنهجاً، ولا تشوبه شائبة من الناحية القانونية.

ويأتي هذا الإجراء في سياق ضغط مستمرّ على احتياطي العملة الصعبة، والذي يُقدّر اليوم بحوالي 106 أيام من التوريد. وهذا الرقم، الذي يُعتبر أنه مطمئن ولا يدّعي القلق، يستوجب قراءة حذرة: فهو يخفي واقعاً أكثر هشاشة متى قمنا بتسليط الضوء عليه من زاوية التزامات الدولة الخارجية والتبعيّة الهيكليّة للاقتصاد التونسي للمدخلات المورّدة. كما أن وضعية المخزونات الاستراتيجية لبعض المواد، لا سيما الطاقية منها، تبعث هي الأخرى على القلق.

وعليه، اختارت السلطات التدخل. ولكن السؤال المطروح هو بأي طريقة، ولمصلحة مَن؟

إن قائمة المنتجات المعنية كاشفة للواقع. فهي تضمّ من جهة، سيارات سياحية وسلعاً فاخرة، وتشمل من جهة أخرى الغلال والفواكه الجافة والشوكولاتة ومنتجات النظافة على غرار معجون الأسنان وحفاظات الأطفال ومواد التعليب والورق المقوى والأجهزة الكهرومنزلية….

وهي منتجات لا يمكن اعتبارها من الكماليات في واقعنا الاقتصادي اليومي فهي تلبي طلباً حقيقياً، وغالباً ما يصعب تعويضها بالإنتاج المحلي على المدى القصير.

كما أن الكثير منها يدخل مباشرة في تكاليف إنتاج المؤسسات التونسية.

إن الحد من توفر هذه المواد لا يحمي الاقتصاد الوطني، بل يُترجم آلياً إلى نقص في العرض وارتفاع في الأسعار، إضافة إلى خلق أرضية خصبة للسوق الموازية.

غير أن الأثر الهيكلي الأعمق لهذا الإجراء يبرز في جوانب أخرى. فمن خلال تعويض القروض بالسيولة النقدية المتوفرة كمعيار للولوج إلى السوق، لا يلغي المنشور عمليات التوريد، بل يفرز مَن له الحق في ممارستها.

فبينما تمتلك المساحات التجارية الكبرى مثل كارفور تونس أو مونوبري، والمجامع الصناعية المُدمجة مثل مجمع بولينا القابضة أو ديليس القابضة، وكبار وكلاء السيارات، القدرات المالية اللازمة للتعامل مع هذا العائق، تعجز المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والفاعلون الجدد، والمورّدون المستقلون عن توفير الأموال اللازمة دون الالتجاء للاقتراض، مما يؤدي إلى إقصاؤهم تدريجياً.

لتكون النتيجة النهائية: منافسة أقل، وتركيز اقتصادي أكبر، ومزيد من الريع لمن يحتكرون أصلاً المواقع المهيمنة.

ولعل حالة سوق السيارات تجسّد هذا المنطق بوضوح أكثر. فالسيارات الكهربائية، التي خضعت لنظام جبائي متميز بموجب قانون المالية الأخير، كانت قد فتحت نافذة فرصة حقيقية أمام فاعلين جدد على غرار مورّدين بدأوا في إثبات وجودهم، وافتكاك حصص من السوق، وإحداث حركية في قطاع ظلّ مغلقاً تاريخياً.

ليأتي هذا المنشور ويوصد هذه النافذة. وهو ما يمثل، في هذا القطاع تحديداً، إصلاحاً مضاداً هيكلياً يتخفّى في ثوب إجراء “نقدي احترازي”.

وأخيرا هناك أثر طالما تم تجاهله في النقاش العام حول التوريد، ألا وهو أثر الإجراء على المنتجات نصف المصنّعة والمدخلات الصناعية. حيث أن تضييق الخناق على الحصول عليها لا يحمي الإنتاج الوطني، بل يحدّه. فهذه المواد تغذي سلاسل التحويل المحلية وتسمح بالإنتاج والتركيب وغالباً بالتصدير. فتراجع توريد المواد نصف المصنعة يعتبر بالضرورة تراجعاً في الإنتاج، وبالتالي تراجعاً في التصدير في نهاية المطاف. وبذلك، ينقلب الإجراء ضد الهدف الذي يدّعي خدمته.

إن حماية احتياطي العملة الصعبة ضرورة مشروعة ولكن القيام بذلك عبر إغلاق باب النفاذ إلى القروض لأسباب تتعلق بالسيولة، هو خلط بين حماية الاقتصاد وحماية الامتيازات المكتسبة. وهما أمران مختلفان تماماً. وكما هو الحال في كل مرة تشتد فيها الأزمات، فإن الفاعلين الأكثر هشاشة - المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والوافدون الجدد إلى السوق، وفي نهاية السلسلة، المستهلك — هم من يدفعون الثمن. والأقليات المهيمنة على الأسواق هي التي تستفيد.

wael.touzri

wael.touzri@gmail.com

المنشور عدد 4 لسنة 2026: عندما يُحدّد البنك المركزي مَن له الحق في التوريد